مركز الإعتمادات العربى
مرحبا بك في مركز الإعتمادات العربي

تشرفنا زيارتك لنا وندعوك الى التسجيل وانضمام لنا والتمتع بخدماتنا المتميزة

مركز الإعتمادات العربى

إعتمادات أحلى منتدى , خدمات الإعتمادات و المعاملات المالية
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

  التخمة مرض ضرر إسراف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
AsHeK DraGOn
عضو سوبر
عضو سوبر



ذكر
عدد المساهمات : 2256
التقييم : 0
العمر : 23
احترام قوانين المنتدى :

مُساهمةموضوع: التخمة مرض ضرر إسراف   الجمعة 6 مارس - 22:34

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبده المصطفى .. أما بعد:


فإن الإنسان إذا أكثر الطعام لم يستطع له هضمًا، حيث يصاب بالتخمة وعسر الهضم، وقد يحدث أن تصاب المعدة فيفقد المرء شهيته للأكل، وإن تناول طعامًا لم يستطع له هضمًا، فقد يصاب نتيجة لذلك بالإسهال أو الإمساك، كما أن الإسراف في الطعام يؤدي إلى البدانة ومن ثم يتعرض الإنسان لأمراض القلب وارتفاع الضغط وأمراض الكلى والسكر.



إن العادات السيئة والمفاهيم الاجتماعية الخاطئة قد تسيطر على بعض الأفراد، بحيث تصبح هذه العادات قيمًا اجتماعية، ولو بحثنا عن أصل هذه العادات، لوجدناها تتمثل في هوى النفس وحب الظهور والتقليد الأعمى.



ومن هذه العادات المنافية للآداب الإسلامية عادة المبالغة في الأكل إلى حد التخمة والشره والبِطنة بحيث يتناول الفرد الطعام عدة مرات في اليوم إلى حد الامتلاء والشبع.



وذلك ولا شك يعد مرضًا وضررًا وإسرافًا منهيًا عنه، إذ يجدر بالمسلم أن يعرف حدوده، ويلتزم هدى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلموصحبه الكرام والسلف الصالح من التخفف في الطعام والابتعاد عن الشره والنهم والجشع.



فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله لأبي جحيفة رضي الله عنه: «كف عنا جشاءك» وقد تجشأ في مجلس الرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أردف رسول الله قائلاً: «فإن أطول الناس جوعًا يوم القيامة، أكثرهم شبعًا في الدنيا».

كما أنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً عظيم البطن، فأومأ إليه، ثم قال له: «لو كان هذا في غير هذا لكان خيرًا لك»؟


إن الهدي النبوي ينص على القاعدة الذهبية التالية:



«ما ملأ آدميٌّ وعاء قط شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه».


وقد قال ابن قيم الجوزية -رحمه الله- معلقًا على هذا الحديث: إن مراتب الغذاء – كما يتضح من حديثه عليه السلام – ثلاثة:



إحداها: مرتبة الحاجة، والثانية: مرتبة الكفاية، والثالثة: مرتبة الفضلة.



كما ورد عن الفاروق رضي الله عنه قوله: «إياكم والبِطْنة في الطعام والشراب، فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، ومكسلة عن الصلاة».


ولذا قيل: البِطنة تذهب الفِطنة. كما ورد عن الشافعي -رحمه الله- قوله: ما أفلح سمين قط إلا أن يكون محمدًا بن الحسن الشيباني – صاحب أبي حنيفة – رحمه الله، فقيل له: لم؟. قال: لأنه لا يعدو العاقل إحدى حالتين: إما أن يهتم لآخرته ومعاده، أو لدنياه ومعاشه، والشحم مع الهم لا ينعقد، فإذا خلا من المعنيين صار في حد البهائم، فينعقد الشحم.



أما اليوم فيلاحظ أن الدنيا أصحبت عند كثير من الناس أكبر همهم ومبلغ علمهم، فأصبح الطعام لهم هدفًا لا وسيلة، فتراهم يبحثون في الأسواق عن أنواع الطعام، ويسرفون في قضاء أوقاتهم في المحلات التجارية والأسواق، يشترون ما استجدت صناعته واختلف نوعه ولونه، وساعد على ذلك التطور الكبير في صناعات الأغذية، فترى أصناف الأجبان، وكذلك اللحوم والحلويات والمعلبات، وما فتح الله به على الناس في هذا الزمان مما لم يشهده عصر سابق.



وكان الأولى والأجدر بهم أن يراعوا هذه النعم، ويحافظوا عليها ويؤدوا حق شكرها، ويستهلكوها على الوجه المفيد النافع دون مبالغة أو إسراف أو شراهة تؤدي بهم إلى التخمة ومن ثم السمنة والبدانة.



إن هناك سلوكيات اقتصادية بدأت في الظهور والانتشار في المجتمع الإسلامي


تمثل عبئًا اقتصاديًا، ولها آثار ضارة على الاقتصاد الوطني، ينبغي أن يتصدى لها رجل الفكر والاقتصاد والسياسية. وتُعِدُّ سلوكيات التخمة وإدمان الشراء والاستهلاك الشره, أمثلة نموذجية لتلك السلوكيات الاقتصادية.



ومازلنا نجد من أغلب الأسر، حتى ذات الدخل المحدود، تصرفات لا مبرر لها سوى العادات والهوى والتقليد والمباهاة، خدمًا ومربيات وسائقين مستوردين من الخارج، واحتفالات مكلفة، وملابس للنساء والأطفال بأسعار مرتفعة جدًّا، وبنودًا استهلاكية تثقل كاهل ميزانية الأسرة، وما ذلك إلا لتلبية دواعي الاستعراض الاجتماعي وحب الظهور.



إن ظاهرة تخمة الاستهلاك وعادة الصرف والإنفاق غير الموجَّه، من العادات والظواهر التي أدت إليها ظروف الحياة الجديدة، نتيجة النقلة الاقتصادية التي مرت بها مجتمعاتنا، وقد ساعد على انتشار الثقافة الاستهلاكية عوامل عديدة منها: إغراق السوق بصنوف الكماليات والإعلان عنها بطريقة مثيرة، وكذا انخفاض الوعي الاستهلاكي لدى أفراد المجتمع، وعدم توجيه أفراد المجتمع منذ نعومة أظفارهم وتعويدهم على السلوك الاستهلاكي الرشيد المنضبط المهتدي بآداب الإسلام المنظمة للاستهلاك.



ومن خلال دراسات وتحقيقات عديدة، تبين أن الإعلانات التجارية تمارس دورًا كبيرًا في خداع المستهلك، وفي دفعه إلى المزيد من الشراء لأشياء كثيرة لا حاجة به إليها فعلاً، وهذا هو الإسراف بعينه، بل وتمارس الإعلانات دورًا في تغليب البواعث الوجدانية كالتقليد وحب التميز والزهو.



ويعد الإعلان مسئولاً إلى حد كبير عن تكوين عادات شرائية خاطئة، إذ قد يعمد المعلنون إلى تشكيك الناس في سلع قديمة أو سلع جديدة في حوزتهم لم تستنفد، لينصرفوا عنها إلى شراء سلع جديدة أخرى.



إن الكم الهائل من الإعلانات الدعائية التي تزخر بها أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في جميع دول العالم هو أحد المقاييس الأمينة لنزعة الاستهلاك التي ألمت بالبشر في هذا الزمن. إذ يلجأ المنتجون إلى كل وسيلة متاحة لحث الناس على زيادة استهلاكهم.



ولا يقتصر الأمر على الإعلانات والدعاية الجذابة وإنما تجاوزهما إلى أساليب أخرى، مثل التسهيلات في عمليات الشراء، وحمل السلع إلى المستهلك في مقر سكنه أو عمله، وفي أساليب الدفع بالبطاقات والأقساط، ومكافأة المشتري كلما كثف من سلوكه الاستهلاكي والشرائي.



وقد سهل الحاسب الآلي مهمة المنتجين والمسوقين، إذ يدرس المنتجون من خلال نفسية المستهلك، أنسب أساليب الدعاية ووسائل الإعلان لسلعهم ومنتجاتهم.



وحقيقة الأمر، فكلما ازداد الاستهلاك كلما نمت جبال النفايات على وجه الأرض بما تحويه من مواد مستعصية على التحلل والهضم، ومن مواد متباينة السُّمية.



وثمة أنماط من الاستهلاك ينجم عنها تلوث البيئة بمواد ضارة وسموم، مثل: الاستهلاك الترفي للأثاث المنزلي في زمننا المعاصر، ومثل الأدوية والعقاقير التي تنتهي فترات صلاحيتها.



ولذا قيل: الاستهلاك هو طوفان التلوث القادم.



وقد ترتب على فشو الاستهلاك الشره وانتشاره في المجتمع, عدد من الآثار والنتائج الضارة مثل: انشغال العقلية الاستهلاكية بالتبذير وعدم الاكتراث بالنعم، وكذا الإتلاف والنبذ والاستبعاد لكثير من الطيبات والسلع، إضافة إلى التفكك الاجتماعي، نتيجة بروز القيم المادية وسيادتها. ولذا قيل:



الاستهلاك يعد عائقًا أمام التوجيه الاجتماعي الإيجابي.



ومن المعلوم، أن أوجه السرف الباذخ أو غير الضروري, ينبغي على الأفراد والأسر من المواطنيين إعادة النظر فيها للتخلص من الأنماط البذخية والاستهلاكية المفرطة ومظاهر المباهاة والتعالي المتمثلة في مناسبات الأعراس والولائم والمآتم.



ومن المعروف اقتصاديًا في كل دول العالم أن أنسب وسيلة لتقريب القرارات الاستهلاكية للأفراد هي الرشد الاقتصادي المتمثل في الأسعار، بحيث تكون لهذه الأسعار فعالية في التخلص من الاستهلاك التبذيري أو لأغراض التفاخر والمباهاة.



لقد شاع في دول غرب أوروبا: «لقد ولد الأمريكي لكي يشتري» وهذه عبارة تدلنا على عقلية الغرب الاستهلاكية، التي تنادي بالحرية والنفعية والملكية الخاصة غير المنضبطة، وإن كانت هذه العبارة صحيحة عند الغرب، فليس لها مصداقية مماثلة عند المسلمين، لأن المسلم ولد لكي يعبد ربه، ومن ثم يقوم بمتطلبات الخلافة والعمارة، وسعيه في طلب المعاش وأكله وشربه ولبسه وسائر أعماله كلها، إذا صدقت النية وخلصت وابتغى المسلم وجه ربه، واتبع هدي نبيه عليه الصلاة والسلام، فإنها عبادة من العبادات، وقربة من القربات، يثاب عليها ويجزى الجزاء الأوفى، فالمسلم يأكل ليعيش، ويعيش ليعبد ربه، في حين أن الكافر يأكل ليعيش، ويعيش ليأكل مصداقًا لقوله تعالى: }إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا{ [الفرقان: 44]، وقوله سبحانه: }ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ{ [الحجر: 3]، وقوله: }أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ{ [الأعراف: 179].



إن الشريعة الإسلامية ومن خلال الضوابط والتوجيهات التي افترضتها على نمط الاستهلاك وسلوك المستهلك المسلم تمارس تأثيرًا مباشرًا في تحديد نوعية الطلب وحجم واتجاهات نموه؛ وذلك يؤثر بالتالي في حجم الموارد المطلوبة وتخصيصها لإنتاج الطيبات التي تشبع احتياجات المجتمع.



إن ضوابط السلوك الاستهلاكي من حيث كراهية المباهاة والتظاهر، وتفضيل التقشف والبساطة والاعتدال في المعيشة، تؤدي بصورة غير مباشرة للحد من إنتاج السلع الكمالية أو السلع ذات المحتوى الترفي، حتى يتحقق للمجتمع مزيدًا من النمو والرفاهية والاستقرار الاقتصادي.
* * *

أضرار التخمة

إن موضوع الطعام والشراب في تاريخ الأمة المسلمة قديم وعريق، فأصوله تستمد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما أن كتب الفقه، والرقائق، والمواعظ، والزهديات، والأخلاق تفرد أبوابًا للطعام والشراب، تنهى عن المحرمات، وتأمر باتباع الآداب الشرعية.



أما اليوم فقد أصبح الطعام والشراب في حياة أغلب الناس نهمًا وشرهًا، وإسرافًا وتبذيرًا، ولذة, وغاية، تهدر في صناعة الأطعمة والأشربة الأموال، وتنصب الموائد المفتوحة في البيوت والمطاعم، ويجرى السباق في إقامة الحفلات الباذخة.



وانزلق عامة الناس إلى مساوئ التقليد الأعمى للأمم المادية المترفة، واتسمت حياة الكثيرين بالتكلف والإسراف في ولائمهم وأعيادهم وحياتهم.



حتى أصبحت أعيادنا مظاهرة باهظة الثمن ورمضاناتنا في كل عام موسمًا للسرف والترف، بدلاً من أن تكون عبادة وتهجدًا.



فتحول الغذاء إلى خطر رهيب، وارتفعت صيحات التحذير من مستقبل ينذر بالأخطار، وباتت الحاجة ماسة للأمن الاجتماعي والاقتصادي والغذائي وترشيد الإنفاق والاستهلاك.



إن الإنسان كائن حي، يقوم بوظائف مهمة: عبادة الله ثم إعمار الأرض وإقامة مبادئ العدل والخير. وهذا يجعله بحاجة إلى الطعام، كي ينمو ويعيش ويتحرك ويعمل، ويحتاج إلى الماء، إذ لا يستطيع الإنسان البقاء حيًّا لمدة طويلة بلا ماء.



فاستجابة الكائن البشري لغزيرة الطعام والشراب أمر فطري. كما أن المحافظة على القوام الغذائي المتنوع والمتوازن مع التوسط والاعتدال يمنح الإنسان في مراحل عمره جسمًا قويًّا وصحة دائمة وعمرًا مباركًا ومديدًا.



إذ لا يكفي الإنسان في طعامه وشرابه أن يتناول نوعًا واحدًا، فلابد من توافر الاحتياجات الأساسية مثل: الماء، والسكريات، والبروتينات والشحوم، والدهون، والفيتامينات، وبعض العناصر المعدنية.



إن الإنسان إذا أكل ما يسد به جوعه، وشرب ما يسكن به ظمأه، فإن هذا مطلوب عقلاً، ومندوب إليه شرعًا، لما فيه من حفظ النفس وصيانة الحواس.



يقول محيي الدين مستو في كتابه: «الطعام والشراب بين الاعتدال والإسراف»: إذا كانت التخمة تمرض وتميت، فإن الحرمان يمرض النفس ويفتر عن العبادة، أما الوسيطة فإنها تنشط النفس وتظهر روحانيتها. فالاعتدال توسط بين التفريط والإسراف، وبين البخل والإنفاق الزائد عن الحلال في المأكل والمشرب.



وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى الاعتدال وحض على التقلل من الطعام والشراب، فقال عليه الصلاة والسلام: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد» [رواه مسلم].



قال حاتم الطائي ذامًّا كثرة الأكل:



فإنك إن أعطيت بطنك سُؤْله




وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا





إن الاعتدال – إذن – هو التوسط بين الجوع والتخمة، بالتقليل من كمية الطعام والشراب، دون أن ينقص عن حاجة البدن والعمل، وفي ذلك فوائد جمة منها: صحة الجسم، وجودة الفهم، وقوة الحفظ، وقلة النوم، وخفة النفس. قال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء.



وفي المقابل، فإن الإقبال على الطعام بشره زائد، يجعل الأغذية عند النهميين المسرفين هدفًا وغاية، يبذلون من أجلها الأموال الباهظة، ويمضون أوقاتًا طويلة في الأسواق، يشترون ألوان الأطعمة. وهؤلاء الذين جعلوا همَّهم بطونهم وأهدافهم ملذاتهم وشهواتهم، يضنون بأموالهم عن مساعدة بائس أو إعانة فقير، فنتج عن ذلك بطون جائعة وأموال ضائعة.



إن الإسراف والتبذير والترف والمباهاة سلوكيات استهلاكية خطرة, دخلت مع الأسف حياة الناس وشملت معظم جوانب الحياة المختلفة، فهناك التنويع في الأطعمة والأشربة في الدعوات العامة والمناسبات وولائم الأعراس التي تكلف أموالاً طائلة، وهناك الموائد المفتوحة المشتملة على أصناف عديدة، لقاء مبالغ محددة عن كل شخص وهناك الولائم المخصصة في حالات الوفاة والمآتم.



فيا عجبًا من مجتمع يقيم الأفراح والولائم, والمجتمعات المسلمة تعاني من الأحزان والمآتم، وقديمًا قال على بن أبي طالب رضي الله عنه كلمته المشهورة: ما جاع فقير إلا بما تمتع غني.



وورد عن القاضي عياض رحمه الله قوله: إن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص والشره وغلبة الشهوة، وهي مسبب لمضاد الدنيا والآخرة وجالب لأدواء الجسد وخثار النفس أي فتورها.



إن الإسراف في تناول الطعام والشراب يؤدي إلى اختزانها في الجسم، وتحولها إلى لحم وشحم وبدانة وبطنة، تقعد بالإنسان عن كثير من أعماله ونشاطاته. وقديمًا قيل: البطنة تذهب الفطنة.



وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قولته المشهورة وحكمته المأثورة: إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة، مؤذية للجسم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد عن الأشر، وأصح للبدن، وأقوى على العبادة، وإن امرأً لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.



ومن طريف القول ما أجاب به مسلمة بن عبد الملك ملك الروم، حين سئل: ما تعدُّن الأحمق فيكم؟ قال مسلمة: الذي يملأ بطنه من كل ما وجد.



وكان فرقد -رحمه الله- يقول لأصحابه ناصحًا: إذا أكلتم فشدوا الأزر على أوساطكم، وصغروا اللقم، وشددوا المضغ، ومصوا الماء مصا، ولا يحل أحدكم إزاره فيتسع معاه، وليأكل كل واحد من بين يديه.



وقد أجمعت الأطباء على أن رأس الداء إدخال الطعام على الطعام، وقالوا: أكثر العلل إنما يتولد من فضول وزوائد الطعام.



إن مراتب الطعام والشراب (الغذاء) كما قسم ذلك ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه «الطب النبوي» مراتب ثلاثة: مرتبة الحاجة، ثم مرتبة الكفاية، وأخيرًا مرتبة الفضلة.



وللأسف ففي رمضان تزداد مصروفات الأسر لمجابهة الشراهة الاستهلاكية ونهم التسوق والإنفاق المرتفع، إذ يتحول النوم إلى النهار، والأكل والزيارات والتجوال في الشوارع وارتياد المتنزهات إلى الليل، ويستهلك الفرد في وجبتي الإفطار والسحور أضعاف ما كان يستهلكه في ثلاث وجبات قبل حلول رمضان المبارك، حتى أصبح مألوفًا في أمسيات شهر رمضان كثرة حالات الإسعاف بسبب التخمة على موائد الإفطار.



وكم يلحق الأفراد والأسر في عصرنا الحاضر من مشكلات وأخطار، وهم يلهثون وراء تقليد بعضهم في إقامة الحفلات، وتكلف المناسبات، والخروج إلى المطاعم حيث الموائد المفتوحة، والمبالغة في تناول الأطعمة والأِشربة بلا قيود ولا حدود في كل شهور السنة وفي رمضان خاصة.



وختامًا أقول: إن الاعتدال يؤدي إلى وفر اقتصادي في حياة الفرد والأسرة، وإلى قوة مالية وتجارية في حياة الدولة والأمة. وصدق الله القائل: }وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا{ [الفرقان: 67].



* * *
التخمة في رمضان

رمضان ذلك الشهر المبارك، شهر السلام والصيام، أحاله بعض المسلمين إلى شهر طعام، فكان حظهم في الاحتفال به والترحيب بقدومه هو مجرد تغيير مواعيد وألوان وأصناف الأطعمة التي يدسونها في بطونهم غير عابثين وغير مدركين للمرامي الأصيلة النبيلة من الصوم.



إن لشهر الصيام مع الطعام نوادرًا وحكايات وأشعارًا وأخبارًا، وبدلاً من أن يشعر بعض المسلمين بآلام الفقراء والمعدمين وبمن تصيبهم المجاعات في كثير من أنحاء المعمورة، فيتوجهون إلى العلي القدير بالشكر على نعمه الظاهرة والباطنة، ويقتصدون في الطعام ويسارعون إلى الخيرات، فإنهم يفرطون في التغذية.



وأول مظاهر الإفراط في التغذية في شهر رمضان زيادة أوزانهم بصورة مفرطة، ونسوا أو تناسوا أن بعض المصحات العالمية تمارس عملية تجويع المرضي وتجبرهم على الصوم والامتناع عن الغذاء، وذلك بغية الوصول بهم إلى الوزن الطبيعي والصحي.



يقول الأستاذ محمد مبارك في كتابه الرائع «بستان رمضان»: ليس من شك في أن الغذاء يعد من أهم الضرورات الحياتية. فلا غنى عن الغذاء بألوانه لكل كائن حي.



فكما جعل الله سبحانه وتعالى من الماء كل شيء حي، فإن كل شيء حي في حاجة إلى الغذاء.



قالوا: أربعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: الموائد، والمناخل، والأشنان (الصابون) والشبع. يقول الغزالي رحمه الله: «الأشنان ابتداع مستحسن من أجل النظافة، ووضع الطعام على المائدة لا بأس به، ونخل الدقيق تطييب للطعام ما لم يؤد إلى التنعم المفرط. وأما الشبع فهو أشد الأربعة، فإنه يدعو إلى تحريك الشهوة وتحريك الأدواء (الأمراض) في البدن.



يحدثنا كتاب الموشى عن عيوب الآكلين، ويبين لنا ما ينبغي أن يعمد إليه الطاعم من آداب إذا جلس إلى المائدة: إن تصغير اللقمة خير، والترفع عن الشره والنهم خير، ومن آداب الطاعمين أنهم لا يأكلون الكرش ولا الطحال والرئة، ولا يأكلون الثريد (الخبز الملطخ بمرق اللحم) ولا يتبعون الدسم، ولا يملئون باللقم أفواههم، ولا يعجلون في مضغهم، ولا يأكلون بجانب الشدقين، ولا يزاوجون بين اللقمتين.



وفي عيون الأخبار: أن رجلاً أوصى ابنه فقال: إذا أكلت فضم شفتيك، ولا تتلفتن يمينًا وشمالاً، ولا تلقمن بسكين أبدًا، ولا تجلس قبل من هم أسن منك وأرفع منزلة، ولا تمسح بثياب بدنك.



وجاء رجل بجوارش (مهضم) إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: ما هذا؟ قال: شيء يهضم الطعام. قال: ما أصنع به؟ إنه ليأتي عليَّ الشهر ما أشبع فيه من طعام.



وورد عن علي رضي الله عنه قوله: البطنة تذهب الفطنة.



وقال ابن المقفع: كانت ملوك الأعاجم إذا رأت الرجل نهمًا شَرِهًا أخرجوه من طبقة الجد إلى طبقة الهزل، ومن باب التعظيم إلى باب الاحتقار.



دخل أحد الحمقى على الخليفة هارون الرشيد: في إحدى الليالي الرمضانية وهو يأكل، فقال له الرشيد: هل لك في العشاء؟ فأجابه: إني صائم يا أمير المؤمنين، فسأله الرشيد: أمواصل أنت؟ فأجابه: لا، ولكني وجدت صيام الليل أسهل من صيام النهار، وحلاوة الطعام في النهار أفضل من حلاوته في الليل.



وورد عن القسطلاني قوله: إذا شبع الصائم عند فطره فقد قصَّر فيما يقتضي المزيد من أجره، فالشبع يورث القسوة، ويوفر الجفوة، ويثير النوم، ويجلب الكسل عن الطاعة.



وكان محمد بن الجهم وهو من رؤساء أهل البخل، يقول: وددت أن عشرة من الفقهاء وعشرة من الشعراء وعشرة من الخطباء وعشرة من الأدباء، تواطؤوا على ذمي واستحلوا شتمي، حتى ينشر عنهم ذلك في الآفاق، فلا يمتد إليَّ أمل آمل، ولا ينبسط نحوي رجاء راج.


قال له أصحابه ذات يوم: إننا نخشى أن نقعد عندك فوق مقدار شهوتك، فلو جعلت لنا علامة نعرف بها وقت استحسانك لقيامنا؟ فقال: علامة ذلك أن أقول: يا غلام ... هات الغداء!!!
* * *


التخمة والإسراف

قال تعالى: }وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ{ [الشعراء: 151، 152].



ولا عجب، فالإسراف على حد قول الشيخ أحمد محيي الدين العجوز في كتابه «معالم القرآن في عوالم الأكوان» هو علة زائفة وخطيئة جارفة، يأتي بالضرر البالغ، والأذى الزائد، فتختل به الموازين، وتضطرب به المقادير، فينقلب الخير شرًا، والنفع ضرًا، فهو شر الأمور على الإطلاق، سواء أكان ذلك في الأقوال أو الأفعال، فالسعيد من هجره ومحا عنه أثره.



الإسراف هو تجاوز حد الاعتدال في أي شيء من شؤون الحياة، وقد جعل الله هناءة الحياة في التنقل بين أضداد الحياة التي هي ليل ونهار، ونوم ويقظة، وحركة وسكون، وتعب وراحة، وجوع وشبع، وأكل وشرب، وبطء وسرعة، وأمل وحذر...



فإذا أخذ الإنسان من هذا لهذا بقدر الضرورة من غير مبالغة كان الاعتدال المحمود والتوسط المطلوب، وإذا بالغ في الإقلال أو الإكثار ودخل في حدود الضرر كان الإسراف.



وقد تحدث عن الإسراف أساطين العلم وأرباب الحكمة، اهتداءً بآيات القرآن العزيز وأحاديث المصطفى وآثار السلف وأقوال الحكماء والبلغاء وأمثال العرب، فبينوا أضرار الإسراف.



فالأطباء نصحوا بعدم الإسراف في الأكل والشرب حفاظًا على الصحة، وأهل الرأي نصحوا بعدم الإسراف في الأمل أو الحذر، كي لا تفوت الفرصة، وأهل الاقتصاد نصحوا بعدم الإسراف في البذل والإنفاق كي لا يضيع المال وينفد، وأرباب التربية نصحوا بعدم الإسراف في الشدة أو اللين حتى لا تفوت الفضيلة، وأهل الاجتماع نصحوا بعدم الإسراف في المدح أو الثناء حتى لا تكون الغطرسة.



لقد قبَّح القرآن الكريم الإسراف وحمل عليه، وهدد المسرفين، وأنذرهم بشر مآل وسوء حال. يقول عز وجل: }إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ{ [غافر: 28]. ويقول سبحانه: }وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ{ [الشعراء: 151]. ويقول تعالى: }كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ{ [غافر: 34]. ويقول عز وجل في البذل والإنفاق: }وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا{ [الفرقان: 67].



وقال سبحانه: }وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا{ [الإسراء: 29].



وفي الأكل والشرب، يقول تعالى: }وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ{ [الأعراف: 31].



وهذه الآية كما قال علماؤنا جمعت قوام الطب كله.



إن الإسراف في الأكل يعطل الهضم، ويفسد المعدة، ويطفئ حرارتها، ويوهن الأعصاب، ويحبس الغازات في البطن، ويضيق النفس، ويولد الأمراض، ويحدث الإمساك، ولهذا قيل: المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء.



روى النسائي والترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه».



والإسراف في الشرب يخل بحركة الهضم، ويولد الإمساك في المعدة، ويورث وجع الرأس، ويحدث التخمة.



فمن الإسراف تجاوز المزكي بالعطاء الكثير يوم الحصاد، وكذا الغلو في الدين إسراف.



وهكذا يكون الإسراف خروجًا عن حدود التوسط والاعتدال، ويأتي بالمضرة الفادحة، ويسبب الشقاء والتعاسة، وهو من السيئات الفادحة والأوصاف الفاضحة، التي يطلب الاستغفار منها والإقلاع عنها..
* * *

التخمة والهدر الغذائي

إن الإسراف مشكلة متعددة الجوانب والأشكال، في مجالات الغذاء واللباس والأثاث والسلع الكمالية.



والإسراف في الغذاء لا يقتصر على الاستهلاك، بل يمتد ليشمل بعض السلوكيات المرتبطة به.



وفي هذا الصدد تشير بعض الدراسات التي أجريت في بعض الدول الخليجية أن ما يُلقى ويتلف من مواد غذائية ويوضع في صناديق القمامة كبير إلى الحد الذي تبلغ نسبته في بعض الحالات 45% من حجم القمامة.



وفي مدينة الرياض أظهرت دراسة أعدتها أمانة الرياض عن نفايات المدينة أن كمية النفايات اليومية لكل فرد من نفايات المواد الغذائية تبلغ أكثر من 1060 جرامًا.


أما الانعكاسات المترتبة على الإسراف الغذائي من الناحية الاقتصادية، فتبرز في الأبعاد التالية:



أولاً: هناك سلوكيات اقتصادية كثيرة في المجتمع تمثل عبثًا اقتصاديًا يمكن تخفيفه، وتعد سلوكيات التخمة وإدمان الشراء والاستهلاك الشره والإسراف الغذائي أمثلة لتلك السلوكيات.



ثانيًا: أن أوجه الصرف الباذخ وغير الضروري ينبغي على الأفراد والأسر والمجتمعات إعادة النظر فيها، لتتخلص من الأنماط البذخية والاستهلاكية المفرطة المتمثلة في مناسبات أفراح أو مآتم أو أعياد أو في ليل رمضان المشبع بكل أصناف الطعام وألوان الغذاء.



ثالثًا: من المعروف اقتصاديًا أن أنسب وسيلة لتقريب القرارات الاستهلاكية للأفراد هي الرشد الاقتصادي في الشراء.



رابعًا: أن ظاهرة الإسراف الغذائي وتخمة الاستهلاك وعادة الصرف غير الموجه، من العادات الخاطئة، ساعد على انتشارها بروز العقلية الاستهلاكية في المجتمع، وشيوع الثقافة الاستهلاكية بين الأفراد، إلى جانب إغراق السوق بصنوف الكماليات والإعلان عنها بطرق مثيرة، إلى جانب غياب الوعي الاستهلاكي.


وللأسف، فإن أكثر ما يشغل تفكير العقلية المستهلكة هو توفير الاحتياجات المادية، واقتناء كل ما يستجد عرضه في الأسواق.



إن عالم اليوم بكافة دوله، متقدمة كانت أو نامية، يسوده ظواهر الإسراف الغذائي وحمى الاستهلاك والنهم الاستهلاكي، حيث صار الإنسان المعاصر مجرد أداة استهلاكية لا هم له إلا أن يقتل نفسه جهدًا ليزيد دخله، ويحصل على ما يشتري من أدوات استهلاك مادية وغير ضرورية تفرضها على تفكيره وسائل الإعلام وفنون الإعلان، بزعم أنها مقاييس للمكانة الاجتماعية ومصادر للهناء الفردي.



وقد أدى ذلك إلى تداعي القيم الخلقية وانتشار القلق وشيوع أسلوب البذخ وأمراض التخمة والسمنة، وكل ذلك يعد تبديدًا للثروة وضياعًا للفائض.



أما كيف يمكن تحقيق التوازن الغذائي أثناء الشراء سدًّا لباب تبديد الثروة ومنعًا لضياع الفائض، فإنه من المعلوم بداهة أن من أهم مظاهر الضياع في الموارد الاستهلاكية هو الخسارة الاقتصادية الناجمة عن الجهل والخرافة في شراء الضروريات والحاجيات والكماليات.



فالعادات الشرائية تميل لأن تكون ثابتة مهما كانت خاطئة. فغالبًا ما يقوم استهلاك الفرد على أساس عشوائي مرتجل لا على أساس رشيد.



إننا إذا استطعنا تعليم المستهلك الأصناف التي تعطي قيمة غذائية أفضل وبأقل نفقة، فإننا نوفر الكثير من العلم الإنتاجي.



ثم إن عملية الشراء ليست سهلة، كما يظن بعض الناس، بل تحتاج إلى تفكير ودراية.



إن قرارات مثل: كم من النقود مع الأسرة معدة للشراء؟ وما نوعية الأطعمة التي تشترى؟ ومن أي الأماكن تشترى الاحتياجات؟ وكيف تخزن هذه الأطعمة؟!!.



إن هذه القرارات تؤثر على أفراد الأسرة، لذا لابد من التفكير العميق والخبرة والمقارنة بين الأثمان والأنواع؛ ليكون قرار الشراء صائبًا حكيمًا.



ومن ثم فأول ما ينبغي مراعاته أثناء عملية الشراء هو عدم شراء أكثر من الحاجة، أي شراء كميات الغذاء اللازمة فقط، لتجنب التلف لما يزيد عن الحاجة، كما ينبغي الشراء من المحلات النظيفة التي تتبع التعليمات الصحية في العرض والتغليف والبيع.



فقد أدى التقدم التقني والاجتماعي والاقتصادي إلى ظهور الأسواق المركزية التي سهلت للمشتري اختيار وشراء ما يطلبه من الأطعمة بالنوعيات التي يحتاجها وتناسب اقتصادياته.
* * *

التخمة والجوع

إن فضول الطعام داع إلى أنواع كثيرة من الشرِّ، إذ يحرك الجوارح إلى المعاصي، ويثقلها عن الطاعات ويكفي بهذين شرًا.


يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: كم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام، وكم من طاعة حال دونها، فمن وقي شر بطنه فقد وقي شرًّا عظيمًا، والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام.



ولو ذل الإنسان نفسه بالجوع، وضيق به مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة الله عز وجل، ولم تسلك سبيل البطر والطغيان.



إذ إن أعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن، فيها أخرج آدم عليه السلام وحواء من دار القرار إلى دار الذل والافتقار، والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبت الأدواء والآفات.



إن على المرء أن يتجنب الشبع والتخمة اتباعًا لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن لم يفعل فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» [رواه أحمد وابن ماجه والحاكم].



إن النفس البشرية إذا شبعت تحركت، وجالت وطافت على أبواب الشهوات، وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت، يقول أبو سليمان الداراني رحمه الله في ذلك: إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق، وإذا شبعت ورويت عمي القلب.



ونحن في زمن مال فيه كثير من الناس إلى الإسراف والبذخ والتبذير والتفاخر بالمآكل والمشارب والمراكب والمساكن، وما علموا أن المبذر أخ للشيطان }وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا{ [الإسراء: 26، 27].



وأن الله لا يحب المسرفين: }وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ{ [الأعراف: 31].



وأن الله سائلهم عن كل نعيم }ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ{ [التكاثر: 8].



وأنه عز وجل سائلهم عن الطيبات }أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ{ [الأحقاف: 20].



وما علموا أن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة، كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلمالذي رواه أبو نعيم في الحلية وحسنه الألباني، وأن شرار أمة محمد صلى الله عليه وسلمالذين غذوا بالنعيم، يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام، وأن السرف أن نأكل كل ما شئنا واشتهينا، وأن الله سبحانه وتعالى يمقت ثلاثة: الضحك بغير عجب، والأكل من غير جوع، والنوم بالنهار من غير سهر.



سئل سهل التستري رحمه الله: الرجل يأكل في اليوم أكلة، قال: أكل الصديقين، قيل له: فأكلتان، قال: أكل المؤمنين، قيل له: فثلاث أكلات، فقال: قل لأهله يبنوا له معلفًا.



جاء في حلية الأولياء الأبيات الشعرية التالية:



وجدت الجوع يطرده رغيف




وملء الكف من ماء الفرات


وقل الطعم عون للمصلي




وكثر الطعم عون للسبات





وورد عن الشافعي رحمه الله قوله: «ما شبعت منذ ست عشرة سنة، لأن الشبع يثقل البدن، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة.



وورد عن جمع من العلماء والفقهاء أن في الجوع فوائد جمة من ذلك:



أولاً: صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة، فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب.



ثانيًا: رقة القلب وصفاؤه، الذي يتهيأ لإدراك لذة المثابرة والتأثر بالذكر.



ثالثًا: الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله تعالى.



رابعًا: تذكر بلاء الله وعذابه وأهل البلاء، فإن الشبعان ينسى الجوع.



خامسًا: كسر شهوات المعاصي، والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء، فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى، ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة، فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة.



سادسًا: دفع النوم ودوام السهر، فإن من شبع شرب كثيرًا، ومن كثر شربه كثر نومه، وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوت التهجد، وبلادة الطبع وقساوة القلب.



سابعًا: تيسير المواظبة على العبادة، فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات، لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل.



ثامنًا: صحة البدن ودفع الأمراض، فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضلة الأخلاط في المعدة والعروق، وفي الجوع ما يمنع ذلك.



تاسعًا: خفة المؤونة، فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير، والذي تعود الشبع صار بطنه غريمًا ملازمًا له.



عاشرًا: الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين، فيكون يوم القيامة في ظل صدقته كل متصدق يرجو وجه ربه.



فهذه عشر فوائد للجوع يتشعب من كل فائدة فوائد لا ينحصر عددها، ولا تتناهى فوائدها، فالجوع خزانة عظيمة لفوائد الآخرة.



وقد أشار أبو سليمان الداراني رحمه الله إلى ست آفات من الشبع فقال: من شبع دخل عليه ست آفات: فقد حلاوة المناجاة، وتعذر حفظ الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلق، لأنه إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شباع، وثقل العبادة، وزيادة الشهوات، والدوران حول المزابل.



ثم إن الأكول مذموم في ثلاثة أحوال:



إن كان من أهل العبادة فيكسل، وإن كان مكتسبًا فلا يسلم من الآفات، وإن كان ممن يدخل عليه شيء فلا ينصف الله تعالى من نفسه.



والتخمة أصل كل داء فلو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم.



ومن ثم فلا ينبغي للمرء أن يشبع اليوم في الحلال، لأنه إذا شبع من الحلال، دعته نفسه إلى الحرام.



وصدق من قال: الجوع مفتاح الآخرة وباب الزهد، والشبع مفتاح الدنيا وباب الرغبة..



وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* * *






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://asedaa.blogspot.com/
JAR7
عضو سوبر
عضو سوبر



انثى
عدد المساهمات : 13599
التقييم : 39
احترام قوانين المنتدى :

مُساهمةموضوع: رد: التخمة مرض ضرر إسراف   الثلاثاء 10 مارس - 3:38

طرحت فأبدعت
دمت ودام عطائك
ودائما بأنتظار جديدك الشيق
لك خالص تقديري واحترامي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
التخمة مرض ضرر إسراف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مركز الإعتمادات العربى :: الأقسام العامة General Section ::   :: قسم الركن الإسلامي-